العلامة المجلسي

32

بحار الأنوار

لأنه يحمل المرء على كل صعب وذلول . وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله والتصرف في ملكه ، والفقر نعمة من الله داع إلى الإنابة والالتجاء إليه ، والطلب منه ، وهو حلية الأنبياء وزينة الأولياء ، وزي الصلحاء - ومن ثم ورد خبر : إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ، فهو نعمة جليلة بيد أنه مؤلم شديد التحمل . قال الغزالي : هذا الحديث ثناء على المال ، ولا تقف على وجه الجمع بين المدح والذم إلا بأن تعرف حكمة المال ، ومقصوده وفوائده وغوائله حتى ينكشف لك أنه خير من وجه ، شر من وجه ، وليس بخير محض ، ولا بشر محض بل هو سبب للامرين معا : يمدح مرة ويذم مرة ، والبصير المميز يدرك أن الممدوح منه غير المذموم . وقال بعض أصحابنا : في الدعاء : نعوذ بك من الفقر والقلة ، قيل : الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم الله ونسيان ذكره ، ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه ويثلم به دينه ، والقلة تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد . وفي الخبر أنه صلى الله عليه وآله تعوذ من الفقر ، وقال : الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الأنبياء ، وقد جمع بين القولين بأن الفقر الذي تعوذ منه صلى الله عليه وآله الفقر إلى الناس ، والذي دون الكفاف ، والذي افتخر به الفقر إلى الله تعالى وإنما كان هذا فخرا له على سائر الأنبياء مع مشاركتهم له فيه ، لان توحيده واتصاله بالحضرة الإلهية ، وانقطاعه إليه : كان في الدرجة التي لم يكن لاحد مثلها في العلو ففقره إليه كان أتم وأكمل من فقر سائر الأنبياء . وقال الكرماني في شرح البخاري في قوله صلى الله عليه وآله : أعوذ بك من الفقر : استدل به على تفضيل الغنا ، وبقوله تعالى : " إن ترك خيرا " أي مالا وبأنه صلى الله عليه وآله توفي على أكمل حالاته ، وهو موسر بما أفاء الله عليه وبأن الغنى وصف للحق وحديث : أكثر أهل الجنة الفقراء ، إخبار عن الواقع كما يقال : أكثر أهل الدنيا الفقراء ، وأما تركه الطيبات ، فلانه لم يرض أن يستعجل من الطيبات .